محمد بن جعفر الكتاني
191
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
[ 1080 - الشيخ الزاهد سليمان بن يوسف الأنفاسي ] ( ت : 779 ) ومنهم : ولده الشيخ الصالح ، الفقيه الزاهد ، الورع النزيه ، الذاكر الخاشع ، المتواضع الخاضع ، الولي الكامل ، العلامة الفاضل ؛ أبو الربيع سيدي سليمان بن يوسف بن عمر الأنفاسي . كان - رحمه اللّه - عارفا بالفقه والفرائض والحساب ، آخذا بطرق من أصول الفقه والدين ، دينا خيرا ، فاضلا ناسكا ورعا ، ذا سمت حسن ، وحال مستحسن . متواضعا حييا ، محافظا على الأذكار الموقتة بالليل والنهار ، مجتهدا في العبادة ، كثير التلاوة في المصحف ، والمواساة والسخاء ، والإيثار . قاضيا لحوائج المسلمين ، ناصحا لهم ، مهتما بشأن الدين ، معمور الباطن بالحق ، معمور الوقت بالخير ، كامل المروءة ، لا تأخذه في اللّه لومة لائم ، معظما عند الخاصة والعامة ، لم ير في زمانه من يضاهيه . بل كان نخبة أهل عصره ، ووحيد زمانه ، أحد كبار الصالحين ، وأهل الكرامات . يحكى أنه كان في مدة رضاعه : لا يقبل ثدي أمه إذا كانت جنبا حتى تطهر . وقصد السلطان عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن المريني زيارته ؛ فجلس في جامع القرويين بعد صلاة الجمعة ، وكلف قاضي الجماعة أبا محمد الأوروبي أن يجمعه به [ 156 ] ؛ فقام باحثا عنه حتى وجده ، فأبى من ذلك وقال : « واللّه لا رأيته أبدا » . فجاءه القاضي برجل آخر من الصالحين اسمه : سليمان ؛ على اسمه ، يعرف بسليمان اد العيون ، وهو من الأخيار . فقال له الوزير : « ما بهذا كلفت » . فقال له القاضي : « هذا مبارك ، وهو من أشياخه » . وفصل به المجلس . وعدت للقاضي سياسة حسنة . وطلبه السلطان مرة أخرى ؛ فكتب له براءة قنع السلطان بها عن رؤيته . وقدم للإمامة بعد أبيه بجامع القرويين ، فظهر منه خير واستقامة . ثم إنه فر منها وانقطع بنفسه ، وأخذ عليه في ذلك كثير من أصحابه . قال ابن الخطيب في " أنس الفقير " : « وكنت أنا ممن أخذت عليه ، ورأيته فرارا من طاعة . فبينما أنا أتكلم على ذلك مع بعض أصحابنا ، وإذا برجل من الطلبة أقبل وبيده كتاب ، فقلت له : ما هذا ؟ . فقال : " الطالع السعيد في تاريخ السلطان أبي سعيد " . فأخذته ، فأول وقوعي على سنة ، فقال فيها : وفي هذه السنة تاب فلان - لرجل سماه - من إمامة جامع القرويين - قال : والسبب في ذلك : أن رجلا ممن صلّى خلفه قال له : نونت الميم من السلام عليكم . فقال له : إنما قلت : السلام عليكم بضمة واحدة على الميم ؛ وأشهدكم أني تائب من هذه الإمامة . فقال له الشيخ الولي الشهير أبو محمد الفشتالي - نفع اللّه به - شرفتنا ؛ شرفك اللّه . فاستغفرت اللّه تعالى من أخذي عليه ، وظهر لي أن هذه كرامة له ! » . ه .